الشيخ محمد هادي معرفة
338
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
فهمه المفسّرون القدامى - فلا موضع فيها للاعتراض كما زعمه الزاعم . وهكذا على التفسير الآخر ، قال به بعض القدامى ، قالوا بالتركيب المزدوج في ذوات الأشياء حسبما قرّرته الفلسفة : إنّ كلّ شيءٍ متركّب في ماهيّته من جوهرٍ وعرضٍ وفي وجوده من مادّة وصورة ، وهكذا . قال الراغب - في قوله تعالى : « سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ » . « 1 » وقوله : « وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ » « 2 » - : تنبيهٌ أنّ الأشياء كلّها مركّبة من جوهرٍ وعرضٍ ومادّةٍ وصورة ، وأن لا شيء يتعرّى من تركيب يقتضي كونه مصنوعا وأنّه لابدّ له من صانع ، تنبيها أنّه تعالى هو الفرد . وقوله : « خَلَقْنا زَوْجَيْنِ » ، بيّن أنّ كلّ ما في العالم زوج من حيث أنّ له ضدّا أو مثلًا أو تركيبا مّا ، بل لا ينفكّ بوجهٍ من تركيب . قال : وإنّما ذكرها هنا زوجين تنبيها أنّ الشيء وإن لم يكن له ضدّ ولا مثل فإنّه لا ينفكّ من تركيب جوهرٍ وعرض ، وذلك زوجان . « 3 » ثانيا : فلنفرض إرادة اللقاح الجنسي بين ذكرٍ وأنثى في عامّة الأشياء ، كما فهمه المتأخّرون ، وليكون ذلك دليلًا على الإعجاز العلمي في القرآن ، فلا دليل على عدم الاطّراد حسبما زعمه المعترض . فإنّ اللقاح التناسلي ظاهرة طبيعية مطّردة في عامّة الأحياء نباتها وحيوانها وحتّى الديدان والحيوانات الأوّلية بصورةٍ عامّة على ما أثبته علم الأحياء . قال المراغي - في قوله تعالى : « وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ » « 4 » - : أي وجعل فيها من كلّ أصناف الثمرات زوجين اثنين ذكرا وأنثى حين تكوّنها . فقد أثبت العلم حديثا أنّ الشجر والزرع لا يولّدان الثمر والحبّ إلّا من اثنين ذكرٍ وأنثى . وعضو التذكير قد يكون في شجرة وعضو التأنيث في شجرة أخرى كالنخل ، وما كان العضوان فيه في شجرة واحدة ، إمّا أن يكونا معا في زهرةٍ واحدة كالقطن ، وإمّا أن يكون كلّ منهما في زهرة
--> ( 1 ) - يس 36 : 36 . ( 2 ) - الذاريات 49 : 51 . ( 3 ) - المفردات ، ص 216 . ( 4 ) - الرعد 3 : 13 .